سلطة الشعب

جماهيرٌ تقرر.. ولجانٌ شعبية تنفذ.. والرقابةُ للجماهير...

سراج قنبر
سراج قنبر

لقد تحققت الديمقراطية المباشرة، حلم الإنسان في كل زمان ومكان، وأصبحت واقعا معاشا، وبعد أن كان عشاق الحرية يتهمون بالطوباوية، وأنهم يحلمون بمثاليات لا يمكن تحققها ولا تحقيقها، وأنهم يبحثون عن حلم يستحيل تحقيقه على أرض الواقع، أتاح المفكر الأممي معمر القذافي لهم أن يعيشوا هذا الحلم واقعا ملموسا، عبر النظرية العالمية الثالثة، كما وردت في الكتاب الأخضر، لتعيش البشرية حلولا ناجعة وناجحة لمشكلاتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وأولاها أداة الحكم، ولتجد الجماهير ضالتها وحلمها الأبدي، عبر سلطة الشعب، وتجد حريتها الحقيقية في الديمقراطية المباشرة،  نتاج فكر استوعب كافة التجارب الإنسانية، لينجز للبشرية مشروعها التاريخي في نظرية الخلاص.
سلطة الشعب في صورتها الواقعية والتي تستند إلى التنظيم الشعبي القابل للتحقيق، هي أيضا نتاج كفاح البشرية على مدى تاريخها الطويل، سلطة الشعب هي الوعي التاريخي للبشرية، صاغه المفكر الأممي معمر القذافي، في الفصل الأول من الكتاب الأخضر، المنهج النظري للنظرية الجماهيرية، النظرية العالمية الثالثة، حلا لمشكلة الديمقراطية، حيث المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ.
لقد قدمت النظرية العالمية الثالثة الحل التاريخي لمشكل الديمقراطية، وهو البديل المطروح للأنظمة التقليدية، والذي يتوافق مع ما تتطلع إليه الشعوب من تحقيق لتحرير إرادتها، وبهذا فتحت النظرية الجماهيرية الباب على مصراعيه لدخول البشرية عصر الجماهير، حيث تحكم الجماهير نفسها بنفسها، وتتخلص إلى الأبد من عسف وجور واستغلال أدوات الحكم التقليدية، المؤتمرات الشعبية هي الصيغة العملية التي قدمتها النظرية الجماهيرية وسيلة لتطبيق الديمقراطية المباشرة، وهي البديل العملي لكافة أدوات الحكم السائدة في العالم اليوم، حيث لا ديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية، فلا ديمقراطية حقيقية إلا عبر هذا النموذج الذي تطرحه النظرية الجماهيرية، حيث يقول الكتاب الأخضر:
" المؤتمرات الشعبية هي الوسيلة الوحيدة للديمقراطية الشعبية. إن أي نظام للحكم خلافاً لهذا الأسلوب، أسلوب المؤتمرات الشعبية، هو نظام حكم غير ديمقراطي
" ليس للديمقراطية إلا أسلوب واحد ونظرية واحدة..وما تباين واختلاف الأنظمة التي تدعي الديمقراطية إلا دليل على أنها ليست ديمقراطية.. ليس لسلطة الشعب إلا وجه واحد، ولا يمكن تحقيق السلطة الشعبية إلا بكيفية واحدة.. وهي المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية. (فلا ديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية) و (اللجان في كل مكان)."
المؤتمرات الشعبية إذن هي الأسلوب الوحيد لتطبيق الديمقراطية المباشرة، حيث يقسم الشعب وفقا لمحل إقامة الأفراد إلى مؤتمرات شعبية أساسية، يضم كل مؤتمر سكان منطقة جغرافية واحدة، مثل الحي مثلا، ثم يختار أعضاء المؤتمر أمانة له، الأمانة تتكون من عدد من أفراد المؤتمر، وتتولى أمانة المؤتمر إدارة جلسات المؤتمر عند انعقاده، وصياغة القرارات التي تتخذها جماهير المؤتمر في كافة شؤون حياتها عند الإنعقاد، ثم تختار جماهير المؤتمر الشعبي الأساسي لجنة شعبية من أفراد المؤتمر تحل محل الإدارة الحكومية في الأنظمة التقليدية، وتقوم اللجنة الشعبية بتنفيذ قرارات جماهير المؤتمر، ومن ثم فإن السلطة الشعبية في جوهرها الأساس تعني مؤتمرات شعبية تقرر ، ولجان شعبية تنفذ، وبمعنى أوضح، جماهير شعبية تقرر في مؤتمراتها الأساسية، ولجان شعبية تختارها هذه الجماهير من بينها هي التي تنفذ، وتنفذ فقط ما قررته الجماهير، وليس كما في الأنظمة التقليدية تنفذ ما تقرر هي، أو ما تراه مناسبا من وجهة نظرها، وهذا هو الفارق الأساسي والجوهري بين ما يجري من سياقات في اتخاذ القرار وتنفيذه في الأنظمة التقليدية، وبين سياقات اتخاذ القرار وتنفيذه في السلطة الشعبية.
هذا على صعيد القرار وتنفيذه، أما على صعيد الرقابة على تنفيذ القرار، فإن الأنظمة التقليدية توكل هذه المهمة إلى أجهزة أو هيئات نيابية، أو معينة من قبل السلطة التقليدية ذاتها، أي أن السلطة التقليدية علاوة على أنها هي التي تتخذ القرار منفردة بعيدا عن الشعب، فإنها تنفذ القرار بنفسها، أي بنفس الأدوات التي اتخذت القرار، وهي أيضا تحتفظ لنفسها بحق الرقابة، بذاتها أو بمن ينوب عنها في تلك المجالس النيابية التي تختارها الجماهير غصبا عنها تحت ضغوط وإملاءات السلطة التقليدية الدكتاتورية، أو بأجهزة إدارية تسميها الرقابة الإدارية أو غيرها من المسميات التي تجتهد في إضفاء الصبغة الشعبية عليها استمرارا في خداع الجماهير، أدوات الحكم التقليدية إذن هي التي تقرر وهي التي تنفذ وهي التي تراقب.
وفي السلطة الشعبية يختلف الأمر تماما، فالجماهير وكما أسلفنا هي التي تقرر في مؤتمراتها الشعبية الأساسية، وهي أيضا التي تنفذ عبر اللجان الشعبية التي تختارها من بين أعضاء المؤتمرات اختيارا مباشرا، وهي التي تراقب تنفيذ قراراتها بنفسها بالرقابة الشعبية المباشرة، وهي التي تحاسب تلك اللجان الشعبية إذا كان هناك انحراف أو تقصير أو التفاف في تنفيذ قرارات جماهير المؤتمرات الشعبية، وهكذا تصبح القرارات شعبية والإدارة شعبية والرقابة شعبية، وبذلك تكشف النظرية الجماهيرية من جديد، أحد وسائل التزييف والتدجيل على الجماهير، والتي كانت تدعيها الأنظمة التقليدية عن الرقابة،  حيث كانت تلك الأنظمة تدّعي أن الديمقراطية هي رقابة الشعب على الحكومة، وينتهي هذا الدجل الديماغوجي بعد أن جاءت النظرية الجماهيرية، ليحل محل ذلك الشعار الخادع أحد أهم ملامح وركائز السلطة الشعبية، وما يؤكد تاريخيتها وتحقيقها لطموحات الجماهير وتطلعاتها، عبر الديمقراطية الشعبية، التي تحرر لها إرادتها، تلك الحقيقة التي جاءت بها النظرية الجماهيرية، حيث انحصرت الرقابة أيضا في الجماهير، وتنتهي إلى الأبد دعاوي الأنظمة التقليدية، وأدوات الحكم المتفردة، عن الفصل بين السلطات، لإيهام الجماهير بما تدعيه عن الديمقراطية، ويلخص لنا الأمر الكتاب الأخضر فيقول:  
" يقسم الشعب إلي مؤتمرات شعبية أساسية ويختار كل مؤتمر أمانة له، ومن مجموع أمانات المؤتمرات تتكون مؤتمرات شعبية غير أساسية..ثم تختار جماهير تلك المؤتمرات الشعبية الأساسية لجانا شعبية إدارية لتحل محل الإدارة الحكومية، فتصبح كل المرافق في المجتمع تدار بواسطة لجان شعبية. وتصير اللجان الشعبية التي تدير المرافق مسئولة أمام المؤتمرات الشعبية الأساسية التي تملي عليها السياسة وتراقبها في تنفيذ تلك السياسة. وبهذا تصبح الإدارة شعبية والرقابة شعبية، وينتهي التعريف البالي للديمقراطية الذي يقول (الديمقراطية هي رقابة الشعب على الحكومة) ليحل محله التعريف الصحيح وهو (الديمقراطية هي رقابة الشعب على نفسه).
وبهذا تكون النظرية الجماهيرية قد قدمت للبشرية المشروع التاريخي والنموذجي الذي يحقق للجماهير الخلاص النهائي من كافة أشكال الحكم التقليدية التي قهرت إرادة الشعوب، وربما يتبادر سؤال مهم إلى ذهن كل من يصل إليه هذا الحل التاريخي لمعضلة الديمقراطية فيسائل، وماذا بعد أن تقرر الجماهير ما تراه في شؤونها..؟ ويأتي الرد بوضوح، تقوم أمانات المؤتمرات الشعبية الأساسية بصياغة قرارات جماهير المؤتمرات الشعبية، لتلتقي كلها بعد هذا في مؤتمر الشعب العام، حيث تتم الصياغة النهائية لقرارات جماهير الممؤتمرات الشعبية الأساسية على مستوى المجتمع الجماهيري ككل، أي على مستوى الجماهيرية، ثم تكلف اللجان الشعبية التي اختارتها الجماهير لتنفيذ قراراتها بتنفيذ تلك القرارات على مستوياتها المختلفة، مع ضرورة التنبه إلى الملاحظات التالية:
أولا: إن مؤتمر الشعب العام لا يتكون من أفراد طبيعيين، أي أن عضوية مؤتمر الشعب هي للمؤتمر الشعبي الأساسي، ومن ثم فإن أعضاء مؤتمر الشعب العام لا يحضرون بصفتهم الطبيعية كأشخاص لكل منهم وجهة نظره الخاصة، ولكنهم يحضرون مؤتمر الشعب العام يحملون قرارات جماهير مؤتمراتهم فحسب، ولا يملكون تعديلها أو التفريط فيها.
ثانيا: قد تتكون مؤتمرات شعبية غير أساسية، وهي التي تكون حلقة الوصل بين المؤتمرات الشعبية الأساسية ومؤتمر الشعب العام، كأن تتجمع بعض المؤتمرات الشعبية الأساسية في منطقة جغرافية أكبر، تسمى بلدية مثلا أو محافظة، أو شعبية، ويشكّل هذا التجمع مؤتمرا شعبياً، ولكنه لا يكون مؤتمرا شعبيا أساسيا، بل يسمّى مؤتمرا شعبيا غير أساسي، لأنه ليس لأعضائه حق اتخاذ القرارات، وأعضاؤه هم المؤتمرات الشعبية الأساسية في المحافظة أو البلدية، أو الشعبية كما في الجماهيرية العظمى، المؤتمرات الشعبية غير الأساسية إذن أعضاؤها إعتباريون، وليسوا أعضاء طبيعيين، هم فقط يحملون قرارات جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية في المنطقة التي تشكل المؤتمر الشعبي غير الأساسي، ويقومون بتجميعها وحملها إلى مؤتمر الشعب العام لتكون صياغة المنطقة التي يشملها المؤتمر الشعبي غير الأساسي، محافظة أو بلدية أو شعبية أو أي مسمى آخر.
ثالثا : مؤتمر الشعب العام هو ملتقى المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، وبالتالي، ففي مؤتمر الشعب العام تتم تجميع قرارات المؤتمرات وصياغتها صياغة نهائية، ومن ثم, تعود القرارات إلى اللجان الشعبية لتقوم بتنفيذها على مستوياتها المختلفة، فمنها ما ينفذ على مستوى المؤتمر الشعبي الأساسي أي في نطاقه الجغرافي، ومنها ما يتم تنفيذه على مستوى الشعبية أي في نطاقها الجغرافي، ومنها ما يتم تنفيذه على مستوى اللجان الشعبية العامة، أي في كامل جغرافية الجماهيرية، وعلى مستوى المجتمع الجماهيري بكامله.
وعن هذه الآليات الجماهيرية وسياق عملها يقول الكتاب الأخضر:

".. إن ما تتناوله المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية يرسم في صورته النهائية في مؤتمر الشعب العام الذي تلتقي فيه أمانات المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية. وإن ما يصيغه مؤتمر الشعب العام الذي يجتمع دورياً أو سنوياً يطرح بالتالي على المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ليبدأ التنفيذ من قبل اللجان الشعبية المسؤولة أمام المؤتمرات الشعبية الأساسية. إن مؤتمر الشعب العام ليس مجموع أعضاء أو أشخاص طبيعيين كالمجالس النيابية إنه لقاء المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية.
واستكمالا لهذا الطرح التاريخي، فإن هناك شق آخر، يوازي المؤتمرات الشعبية الأساسية صاحبة السلطة الحقيقية، وهو شق المؤتمرات المهنية، وفلسفتها هي إعطاء خصوصية لكل مهنة أو حرفة ، وإعطاء أصحابها حق دراسة مشكلاتهم المهنية، أطباء ومهندسين وفلاحين ومنتجين وحرفيين وغيرهم، في مختلف المهن والحرف، ثم اتخاذ قراراتهم التي تخص مهنهم وحرفهم، وتقديمها في صورة توصيات للمؤتمرات الشعبية الأساسية، لتأخذها في الإعتبار عند إقرار ما يخص هذه المهن أو الحرف، أو أصحابها، وهذا هو الوجه الأكثر إضاءة في النظرية الجماهيرية التي لم تقفز على أية قوى فاعلة في المجتمع، ولم تهمل أحدا، ولم تتجاهل الواقع، بل أعطت كل ذي حق حقه الطبيعي المقدس، ويقول الكتاب الأخضر:
" إن المواطنين جميعاً الذين هم أعضاء في تلك المؤتمرات الشعبية ينتمون وظيفياً أو مهنياً إلى فئات مختلفة..لذا عليهم أن يشكلوا مؤتمرات شعبية مهنية خاصة بهم، علاوة على كونهم مواطنين أعضاء في المؤتمرات الشعبية الأساسية أو اللجان الشعبية.
هذه هي الصورة البديعة والتاريخية لسلطة الشعب، والتي تعني بوضوح شديد نهاية لعصر المظالم التي فرضتها أدوات الحكم التقليدية، ويتجدد الأمل الموات لدى جموع البشرية المتعطشة للحرية والخلاص النهائي من كافة أشكال وألوان العسف والجور والإستغلال، حيث يصبح الشعب هو الحاكم الحقيقي، وتنتهي المشكلة الأساسية في التاريخ الإنساني، مشكلة الديمقراطية وأداة الحكم، فيقول الكتاب الأخضر:
" بذلك تنحل مشكلة أداة الحكم بداهة وتنتهي الأدوات الدكتاتورية، ويصبح الشعب هو أداة الحكم، وتحل نهائياً معضلة الديمقراطية في العالم. "