الثورة الفكرية العميقة ومواجهة الخوف (1)

هشام عراب
هشام عراب


و امنهم من خوف و لا تحزن ان الله معنا كانا في الغار و صاحبه خائف ممن يبحثون عنهما و يلاحقونهم في الصحراء و هما مهاجران بعد ان ضيق عليهما اهل مكة الخناق و انتشر الخوف كأسلوب و اداة لوأد دين الاسلام العظيم و ارهاب نبيه عليه الصلاة و السلام و اصحابه باستخدام اساليب الخوف و هزم الخوف في غار و انتصر دين الله بالايمان به في مواجهة الخوف و هُزم اسلوب الخوف و هُزم اتباع دين الخوف الزندقة التي تريد للانسان ان يحيا في ضلالتها بإتقاء الخوف و تورية النفس و ابعادها عن مواجهة الشيطان الذي استخدم الخوف ليُخضع الانسان له.. فما هو الخوف.؟!
دوما كان الخوف من المجهول عند الانسان، و الانسان جبله خالقه على الخوف و ايضا على الطمأنينة ليختار بينهما، الخوف ان يفقد الانسان الشعور و الاحساس بالهناء و يستبدل ذلك بالقلق و التوتر النفسي و العصبي، و الطمأنينة ان تسكن نفس الانسان و ترتاح و لا تخاف و لا ترتعب مما يحيط بها او تؤثر بها ما يعتمل في داخلها من محركات و دوافع، فالخوف متلازمة مع نفسية الانسان و عند تعطل طبيعة الانسان يفقد الاحساس بالخوف او ياعاظم عنده الاحساس به فيصبح تقديرا عند الناس في حالة يوصف فيها بأنه فاقد الاهلية كأن يكون مجنونا او طفلا قاصرا او ضعيفا، فالخوف من طبائع البشر، و أحد معايير تمييز البشر هو الخوف و قد يوصف الانسان بالجبن لعدم قدرته على مواجهة المخاوف حتى البسيطة منها ؛ و كذلك قد يوصف بالحرص من التهلكة لتبرير موقفه من حجم و كم المخاوف و ما يترتب عنها من مخاطر ؛ و كذلك الحيوانات فمنها من لا يعرف الخوف لأسباب طبيعية مرتبطة بطبيعة الخلقة التي نوعها الله فيوصف الاسد كمضرب مثل بالشجاعة القصوى و توصف الارنب بالجبن كمضرب مثل لاضطرابها في مواجهة الطبيعة المحيطة بها في حياتها، و تقول الناس لتصف حالة عدم الخوف ( كيف الجن! ) توصيفا لتصرفاته في مواجهة المخاوف و النجاة من الخسائر و الإصابات المادية و المعنوية، فالخوف احد المعايير القياسية التي تقيس بها الناس تصرفاتها في الحياة ؛ و هذا المعيار ليس عند البشر فحسب بل هو ايضا عند الله خالقهم الذي له القدرة على قياس حالة الخوف و تقديرها كما و كيفا و مبعثها و اسبابها ؛ فالله يسأل الانسان عن الخوف و عن أسبابه و يزنه بميزانه و قد يرضيه سبحانه و قد يغضبه، فالخوف احد اهم ادوات تخليق السلوك الانساني، فالخوف اداة من ادوات التفاعلات البشرية و قد استخدمته ادوات الحكم و الافراد و الجماعات في الصراعات و التنافس و التفاعلات الإجتماعية بمختلف محركاتها و دوافعها، الخوف استخدمه الشيطان لغواية الانسان بعد ان خلقه الله فأستغل خوفه ليخرجه من الجنة موظفا الخوف من ( الفناء ) و الخوف ( الحرمان و الضعف ) فأغوى الشيطان الانسان بشجرة ( الخلد و المُلك ) و تمكن منه فغوى عن أمر ربه و قاده خوفه للتجاسر على أمر ربه و عصاه بعد ان وعده بالطاعة و افسد علاقته بربه و كان ( ان عصى امر ربه ) هو و زوجه و الذي حرك الخوف فيه هو الجهل بمبررات الحرمان من ( الشجرة المحرمة ك من الله و التي سميت ( الشجرة الملعونة ) و هي ربما المقدسة فالملعونة هي ( الخديعة ) التي استخدمها الشيطان و الخيانة لأمر الله سبحانه الذي اختار فكرة ( الحرمان ) من شيء لكي لا يطغى الانسان في جنته و يكون له في الجنة فكرة( الدين ) اي لا يقرب شيء محدد لأسباب تخص وحدانية الخالق و ارادة الله و الذي هو فعال لما يريد و اذا اراد شيء يقل له ( كن.. فيكون ) فالله له الكمال و الخلود و الملك و القدرة و ما دونه فهو خلقه فمشيئة الله ( مجهولة ) و هي احد اهم مصادر الخوف و الذي احد اهم اسباب الخوف المجاهل و الجهل، و لأن الانسان خلقه الله و وهبه الخلافة له و لم يبين اسباب ذلك عبرت الملائكة عن خوفها و تساءلت عن اسباب الاستخلاف للانسان و لم تكن تعرف الغيب من دون الله و لكن لمعرفتها بمنطق الاشياء عرفت ان الخليفة في الارض سيفسد النظام الذي عليه الارض و يخرجها عن خلقتها و يسفك سيرورة الكائنات الحية لكونه مستخلف من الله سبحانه و الذي خضعت الملائكة لأمره و حكمته فهو يعلم ما لا تعلم و علم الانسان ما لم يعلم و مكن له و عصى الشيطان أمر يحركه ( الخوف ) على مكانته و حضوته عند الله ( خلقته من طين و خلقتني من نار ) و يرى ( انا احسن منه ) فهو يرى نفسه من ( أنانيته ) و لم يراع الله الذي خلق ( كينونته و صيرورته و سيرورته ) و شطط عن امر ربه و لم يسجد لمن أمر أن يُسجد له لحكمة يعلمها الله الذي يجسد اياته و عظيم ربوبيته و وحدانيته فالله وحده من لا يخاف من خلقه مما اعطى لغيره فهو المعطي.
الخوف وجه من وجوه الدين، الخوف احد اهم المحركات الدافعة للسلوك البشري و احد اهم الدوافع للتفاعلات النفسية، الخوف احد العوامل المؤثرة في السلوك البشري بل احد اكثر الاسباب التي قد تغيير هذا السلوك فقد تدفعه الاسباب الى الطمأنينة و السعادة و قد تدفعه الى القلق و التوتر قد تدفعه الى الحياة و البقاء و قد تدفعه الى الموت و الفناء، الخوف قد يكون دين ( دينه الخوف ) كما يقول المثل العربي الليبي ليصف خضوع شخص و ادعانه بعد مشقة ؛ الخوف دنيا ( يخاف و ما يتحشم - يخاف و ما يختشيش كما يقول اهلنا في مصر ) ليوصف من لا يحتكم الى احترام علاقاته الاجتماعية في محيطه؛ الخوف قد يولد الاقدام و الجسارة و الالتزام بشيء و قد يولد الجنون و الكفر و العصيان و قد يولد الحرية و قد يولد العبودية ان لم يفهم و يعرف كنه سره الذي قد يستعصي عند تسيد الجهل الذي يكون وعاء للخوف و حاوية له ؛ ما يتطلب المعرفة و العلم و الفهم ؛ و قادة الصراع الثوري الاجتماعي الانساني احد اهم اساساتهم المعرفية التي تمكنهم من نجاح القيادة هو فهم ( الخوف ) كأسباب و كأسلوب و كأداة و كوسيلة و كهدف و كغاية و كمفهوم و كسلوك.
في احد مقابلات المفكر معمر القذافي ( كانت مقابلة بحوارية معه شارك فيها كل من فوزية شلابي و هي كاتبة إعلامية اتسمت بالجسارة و الإقدام في جيلها من النساء و اقتحمت ثقافيا و عبر الصحافة المكتوبة الثقافة السائدة رجعيا بأسلوب كتابة ثوري - ربي يفك اسرها - و مشاركة أ. احمد ابراهيم الاكثر جسارة فكرية في جيله - ربي يفك اسره - و د. رجب بو دبوس الاكثر جسارة فلسفيا و ادار النقاش عبد الله عثمان و كانت الحوارية في العيد العشرين ان لم تخن الذاكرة المجهدة) يتحدث القائد عن كيف ظهرت الثورة في نفسه تحدث عن الخوف و كيف كان سببا في ظهور حالة الثورة في نفسه و بين كيف ان الخوف نقل حالته الفكرية الفردية لحالة البحث عن الجماعة لمواجهة( الخوف ) و روى فيها حالة الخوف التي كان يمر بها عند مسيرته للمدرسة البعيدة عن نجعه و التي تتطلب قطع المسافات الطويلة في الصحراء قبيل ظهور الفجر و السير في بيئة مخيفة فيها المخاوف المتصاعدة و المتزايدة من المجهول و المتخفي و المعروف و الظاهر الخوف من الظلام و من الحفر و من الافعي و من الذئاب التي تعوي و الكلاب التي تنبح ؛ ذلك الخوف المرعب له كطفل اعزل يجعله يبحث عن اي شيء يتسلح به كعصى و يدفعه الى ان ( يسرع ) الخطى و يدفعه الى الخوف للقلق الشديد و كان توصيف الفذ معمر القذافي للخوف و كيفية مواجهته له بديعا و بين ان ذلك الخوف دفعه ( للدعاء لله بالنجاة ) و هو ما جعله ( يثق الله ليجعل له مخرجا ) و لم يتراجع بسبب خوفه بل يتقدم في سيره بالرغم من الرعب و القلق و التوتر بسبب صغر السن ( 12 - 13 ) حتى يصل إلى هدفه ( المدرسة ) حيث يشعر بالانتصار على الخوف و يتمكن من الطمأنينة، فهذه الرحلة في الصحراء كل صباح في مواجهة الخوف هي التي نقلت تفكيره من الحالة الفردية الى البحث عن الثورة و دفعته للتفكير الاجتماعي و عرف ان الخوف لا يواجه الا بالاقدام و الجماعية و الجسارة و القضاء على اسباب الظواهر التي تمكن الخوف من التسيد على البشر و التحكم في افكارهم و عقليتهم و نفسيتهم و مفاهيمهم و تخليق عبودية سلوكهم، هذا اللقاء بين فيه الفذ البر ولي الله الصالح معمر القذافي كيف كان الخوف رحم للثورة التي خرجت كنور فجر في نفسه وسط مخاوف الصحراء و دروبها و مكونات طبيعتها و كيف تفاعلت نفسه في مواجهة المخاطر وسط الظلام و وعورة دربه و صعوبة طريقه المحفوف بالمخاطر من حجر و شجر و ظلام و وحشية ذئاب و جوع كلاب درب استعان فيه لمواجهته بالثقة في النفس و في الله فاستعان بالدعاء لله الحق المبين متيقنا بقدرته و عظيم امره و صابرا على المخاوف معالبا ضعفا و خوفا متوطنان في النفس ؛ يقول انه لاحظ شيء مهم جدا في هذه اللحظات انه ليس وحده من يواجه المخاطر في دربه بل هناك من هم اكثر مخاطر من مخاطره و هناك من هم اسواء منه ظروفا في حياتهم و هناك من استولى عليهم الخوف فحول حياتهم لجحيم و ضحايا لمصادر الخوف فلم يكملوا دروبهم و كانت حياتهم معاناة و ضنك و عبودية و خضوع للاستغلال و القهر أكتشف أنه ليس وحده من يعاني من حياة الخوف بل الملايين تعاني و ان نجاته لا يجب ان تكون له وحده بل لشعبه لأهله لأنهم من يحب فأختار ( الثورة ) كمواجهة جوهرية للقضاء على اسباب الخوف اختار الثورة ان تكون موضوع اجتماعي فبدأ التفكير الاجتماعي في الثورة و انقاذ شعبه الذي يحب.
يتبع...