حتمية المشروع الجماهيري

محمد رؤية ناظم
محمد رؤية ناظم

قال المفكر العظيم "معمر القذافي" لقد أنتجت التجارب الإنسانية النظام الجماهيري كتتويج نهائي لكفاح الإنسان من أجل الحرية وتحقيق السعادة وإشباع الحاجات والقضاء على الاستغلال، ووضع حد نهائي لمظالم البشرية فوق الأرض، وإيجاد طريقة عملية وعادلة لتوزيع ثروات المجتمعات توزيعاً عادلاً على جموعها دون تمييز ولا تفرقة ولا تمايز، ومن هنا فإن الأمم والشعوب لا يملكون أمام هذه الحقيقة إلا التسليم بعمليتها وصدقها، فهي تلح على عقولهم إلحاحا شديدا يتزايد كل يوم، ويعصف بكل رغبة في إنكار صحتها أو مقاومتها، لأنها تطور طبيعي لحياة الإنسان يفرض نفسه وفق قاعدة جدلية واضحة، مؤداها أن الصراع بين المتناقضات مستمر دون توقف حتى تترسّخ العلاقة السليمة التي يضعها الإنسان ويقبلها العقل ، وحيث أن العلاقات التي تسود العالم هي علاقات خاطئة، ومن ثم فهي غير قابلة للاستمرار، بسبب اصطدامها بطموحات الإنسان وتطلعاته نحو تحقيق حريته السياسية والإجتماعية ، وبسبب رفضه لها رفضاً جذريا ما يؤدي إلى صراعه معها، وهكذا يوجد الصراع في اللحظة التي توجد فيها علاقات ظالمة لا تقبلها الشعوب والأمم، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور الحل في نهاية المطاف.

ومن هنا يتضح أن التطور التاريخي للفكر الإنساني وتحقق عمليات التغيير، لا يتحقق إلا حلاً لمشكل إنساني، ينجم عن وجود علاقة جدلية بين إرادات بشرية متناقضة، اندفعت إلى الصراع فيما بينها بهدف القضاء على أحدها، ليفسح المجال للآخر على حسابه، بيد أن معطيات تاريخية ووعي غير مسبوق للمفكر معمر القذافي، أديا إلى صياغة النظرية العالمية الثالثة، النظرية الجماهيرية، على قاعدة القراءة الصحيحة للواقع التاريخي للفكر الإنساني، واستشراف المستقبل الذي تسطره الجموع بوعيها الذي يسبق الفعل في اتجاه التغيير، فتحقق الحل النظري الذي سعى الإنسان عصورا طويلة من أجل الوصول إليه، والذي بظهوره اعتبر المجتمع الجماهيري نفسه على هذه القاعدة نتيجة جدلية لوجود علاقات ظالمة تسود الحياة الإنسانية، أدت إلى صراع فكري وعملي، أنتجا في نهاية المطاف الحل الطبيعي، والتاريخي، المطلوب.

إن النظرية الجماهيرية هي المعطية التي سيخلص إليها الإنسان حتماً، وهي الحل الذي حتى وإن لم يصل إليه الإنسان في كل مكان كبديل منطقي وعلمي وعملي للواقع الذي يعيش فيه، عبر الأطروحات الواضحة الذي جاءت بها النظرية العالمية الثالثة، محتوى الكتاب الأخضر، فهو لا محالة سيلجأ إليه في النهاية باعتبار أنه ليس من بعده ولا من قبله من حل نهائي للقضايا التي تواجهه وتلح عليه، ولقد أكد الكتاب الأخضر هذه المفاهيم في فصله الأول حيث يقول : " المؤتمرات الشعبية هي آخر المطاف لحركة الشعوب نحو الديمقراطية " ويقول أيضاً " المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ليست من صنع الخيال بقدر ماهي نتاج للفكر الإنساني الذي استوعب كافة التجارب الإنسانية من أجل الديمقراطية "

وما يقال عن الديمقراطية يقال عن الأطروحات التي أسست عليها النظرية العالمية الثالثة حل المشكل الإقتصادي في الفصل الثاني من الكتاب الأخضر، وهو أيضا ما يقال عن الأطروحات التي رسخت للركن الإجتماعي الذي ورد في الفصل الثالث من الكتاب الأخضر ..

بمعنى أن هناك حتمية تاريخية للمشروع الجماهيري، ستساق بموجبها البشرية إلى عصر الجماهير سوقاً، على قاعدة المتناقضات التي يعيشها العالم، وكلما زادت المظالم التي يتعرض لها الإنسان في كل مكان، كلما كان ذلك إيذاناً باقتراب يوم ولوج البشرية جمعاء عصر الجماهير، كما أن ذلك سيكون حافزا لانتشار الثقافة الجماهيرية في إطار بحث الشعوب عن حلول تاريخية ونهائية لمشكلاتها، ونكاد نجزم بأن الذين يحاولون في العالم اليوم الإلتفاف على النظرية الجماهيرية أو احتواء أطروحاتها التاريخية، أو تزييف الأسس والأركان التي تستند عليها، إنما هم بذلك يصطدمون بحقائق التاريخ، وبالمعطيات الجدلية للحقائق ذاتها، وبالتالي سيواجهون الجماهير ويصطدمون بها في نهاية المطاف ... ولعل ما يحدث في العالم الآن من صدامات دامية بين الجموع في جميع أنحاء العالم، وبين أدوات الحكم التقليدية التي أسستها الأنظمة التقليدية البالية، لهو أكبر الأدلة على ما نقول، كما وأن هناك جدل يدور في العالم بأسره حول ما يسمى بالبديل، أو الطريق الثالث، والذي يحاولون به تجميل وجه الأنظمة التقليدية بإضافة بعض التحسينات الآنية على أداء أدواتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، بغية تلافي الصدامات مع الجماهير أو على الأقل تأخيرها، ومنها ما يطلقون عليه الديمقراطية الإجتماعية، التي أصبحت منهجاً جديداً في الفكر السياسي الأوروبي .. والذي ابتكره المفكر الإنجليزي "هدجنز" ، وتتلمذ عليه "أنتوني بلير" الذي ناقش المفكر الأممي "معمر القذافي" في تلك الأفكار كثيراً، ومن الأفكار التي تكشف مظالم الأنظمة التقليدية ما يطلقون عليه أنسنة الإقتصاد، أو العدالة الإجتماعية، والكثير الكثير من المسميات التي ابتدعوها للخروج بالأنظمة التقليدية من أزمتها الراهنة التي تعصف بمستقبلها.

ويؤكد حتمية المشروع الجماهيري وانتقال المجتمعات البشرية قسراً لا طوعاً للمجتمع الجماهيري، وأنه لا محالة من سيادة أطروحات النظرية العالمية الثالثة، أن هذا المشروع الذي يشكل حلولا نهائية لمشاكل المجتمعات البشرية الحديثة، سياسية واقتصادية واجتماعية، يتفرد بأنه يتأسس على القواعد الطبيعية، وهي أساس القانون الطبيعي، والتي تشكل المقياس الصحيح الذي يحكم العلاقات الإنسانية بصفةعامة، وعن طريقها تتم معرفة الحق والباطل، كما يتم من خلالها ضبط العلاقات الإنسانية بين الناس، والقانون الذي يتأسس على القواعد الطبيعية لا يتوقف عند حد القيم الروحية، بل يتجاوزها إلى كافة الظواهر والعلاقات الإنسانية التي تشمل كافة جوانب المجتمع، سياسية واقتصادية واجتماعية، فالقانون الطبيعي هو في الأساس تعبير عن حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة، وحقه المقدس في إشباع حاجاته المعنوية والمادية.

ويؤكد ذلك أيضاً أن القواعد الطبيعية تؤكد على الحرية الكاملة للإنسان، وأنها تتعارض وتتناقض مع مظاهر الإستغلال التي ابتدعتها الأنظمة التقليدية التي تسود العالم اليوم، فالقواعد الطبيعية تعتمد على مبدأ المساواة، وهي قواعد شاملة ومنظمة، كما أنها تفسر نفسها بنفسها باعتبارها نظرة فطرية لكل جوانب الحياة، ولا شك أن بلاء العالم وترسخ كافة المشاكل التي اعترت مسيرة البشرية ترجع في الأساس إلى التمرد على القواعد الطبيعية أو القانون الطبيعي، وهو ما يعتبر تمرداً أو تنكراً للطبيعة الإنسانية ذاتها، ويفسر الكتاب الأخضر هذه النظرة التاريخية بالقول :

" إن سنة أدوات الحكم الدكتاتورية هي التي حلت محل سنة الطبيعة، القانون الوضعي حل محل القانون الطبيعي ففقدت المقاييس. إن الإنسان هو الإنسان في أي مكان. واحد في الخلقة .. وواحد في الإحساس .. ولهذا جاء القانون الطبيعي ناموسا منطقيا للإنسان كواحد، ثم جاءت الدساتير كقوانين وضعية تنظر للإنسان غير واحد، وليس لها ما يبررها في تلك النظرة إلا مشيئة أدوات الحكم .. الفرد أو المجلس أو الطبقة أو الحزب للتحكم في الشعوب."

 وحتى الشريعة، ذلك الأساس الذي يحكم الكثير من سلوكيات الأفراد بطريقة طبيعية وتعتمد عليها المجتمعات في صياغة قوانينها وتشريعاتها، تعرضت هي أيضا للتعديل، ومن غير المنطقي أن تكون شريعة المجتمع من وضع أدوات الحكم، لأنها بالتأكيد ستخدم توجهاتها وتحقق لها مصالحها على حساب مصالح المجتمعات ذاتها، وهذا بالفعل ما حدث، ويفسر هذا الكتاب الأخضر بالقول:

" إن هذا هو الخطر المحدق بالحرية الكامن في فقدان الشريعة الحقيقية للمجتمع الإنساني واستبدالها بتشريعات وضعية ، وفق الأسلوب الذي ترغبه أداة الحكم في حكم الجماهير .. والأصل هو أن أسلوب الحكم هو الذي يجب أن يتكيف وفقاً لشريعة المجتمع لا العكس. "

ولكن لماذا يشدد الكتاب الأخضر على خطورة تحول الشريعة على يد أدوات الحكم إلى شرائع وضعية..؟ ويجيبنا الكتاب الأخضر ببساطة شديدة ، لأن شريعة المجتمع هي التي يقيس المجتمعات على أساسها القيم الروحية كالخير والشر والحق والباطل ... إلى آخر تلك القيم النظرية التي تعتمد عليها سلوكيات الأفراد أو الجماعات داخل المجتمعات ذاتها، ويفسر هذا ويؤكده الكتاب الأخضر بالقول :

" شريعة المجتمع ليست محل صياغة وتأليف . وتكمن أهمية الشريعة في كونها هي الفيصل لمعرفة الحق والباطل ، والخطأ والصواب ، وحقوق الأفراد وواجباتهم .. "

ونخلص من كل هذا إلى القول بأن الرؤية التي تقول بحتمية وصول المجتمعات البشرية إلى المشروع الجماهيري تعتمد على أن المشروع الجماهيري جاء على قاعدة القوانين الطبيعية التي تعتمد المساواة والعدل بين الإنسان والإنسان، دون تمييز ولا تمايز، علاوة على أن القواعد الطبيعية العادلة هي التي تحول دون تحول الشرائع في المجتمعات الحديثة إلى شرائع وضعية تخدم أدوات الحكم التي تحقق مصالحها على حساب المجتمعات ذاتها .. وإذا كانت القوانين الطبيعية والتي تحفظ للجماهير كرامتها وحريتها وتحقق لها حاجاتها المادية والمعنوية لا تتحقق إلا من خلال المشروع الجماهيري فإن هذا هو السبب الرئيس الذي حصر رؤيتنا في قولنا بحتمية المشروع الجماهيري ...