جنازة أم ساركوزي

المرغني جمعه
المرغني جمعه

وقفنا بمقبرة سيدي زغواني جنوب حقول النخيل بمدينة جنزور لنهيل التراب على جثمان (أم محمد) وسيدي زغواني هو أحد أبناء جبل زغوان بتونس سكان فقيها وافته المنية في هذه المنطقة لتسمَى المقبرة باسمه وهو ثالث ثلاثة أحدهم سيدي المدنيني وهو من مدينة مدنين وله مقبرة باسمه أيضا.

في المقبرة كان طابور المعزين يلف كحبات المسبحة في سطر طويل يكاد لا ينتهي و((ساركوزي )) الصغير يقف إلى جوار أبيه يحدق بعيون فارغة دون أن يفهم سبب نحيب والده وأخواله ولا سبب هذا الجمع الغفير. مشهد يدمي القلب لطفل في السابعة من عمره وسط هذا الحشد الجنائزي غير أن لساركوزي قصة أخرى مع هذا الاسم الذي يحمله مكرها.

في مارس 2011 م رزق شعبان موظف الكهرباء بشقيق لابنته بعد معاناة و طول انتظار, كانت فرحته بالمولود الجديد و انشغاله باللهاث بين المستشفيات قد ألهته عن عواجل المحطات العربية التليفزيونية يملؤه الفرح والتفاؤل والخوف على صحة المولود والوالدة . رغم الأحداث العاصفة كان الوالد علي يقين بأنها ( أزمة و تعدي ) فرح بخروج زوجته وأعد وليمة فاخرة دعا لها كل الأهل والأحبة فذبح الخراف واشترى الفواكه ..

كان ذلك فصل الربيع في شهر مارس ومع موعد تقديم الموائد و بحضور كل المدعوين و قبيل أن يمدوا أيديهم كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم و السقف يكاد يسقط على رؤوسهم، ساد الرعب والفزع و تفرق الجمع و خرج الرجال والنساء لا يلوون على شيء تاركين أحٍذيتهم.

غادر الجميع فرادى وجماعات وتركوا الأم النافس تتشبت بوليدها تحتضنه خوفا من سقوط البيت و من يومها حمل الطفل اسم ((ساركوزي )).

ومن كثرة التكرار نسي الناس اسم ((محمد ))و لم يعد ينادونه إلا بهذا اللقب الجديد .

لم تنته مأساته بفقدان اسمه ولا برعبه في أسبوعه الأول ولا بإفساد وليمته فلم يبدل خطاه حتى جاء النازحون الى بيته ليشاركونه البيت والطعام ولم يدم الحال طويلا حتى أصبح (ساركوزي) وأمه نازحان بدورهم .

من فجيعة النفاس و ألم النزوح وغبار اليورانيوم المنضب وبعد سبع عجاف اكتشفت الأم أنها مصابة بالسرطان ويتعين إجراء عملية عاجلة في ظروف تعاني فيه المستشفيات ما تعاني ولولا جهود المخلصين من أطباء وعاملين لأقفلت أبوابها أمام طوابير المرضى .

لم يجد الوالد سريرا إلا في مستشفى صبراتة البعيد عن مقر سكنه قرابة السبعين كيلومترا لإجراء الجراحة التي لم تتعافى منها إلا وأصوات القذائف تحاصر المستشفى وتصبح المريضة نازحة تعاني آلام الجراحة وآلام النزوح.

كافحت ما استطاعت ثم صعدت الروح إلى بارئها، كل ذلك و الطفل لا يعرف معنى ما حدث، و لما يحدث ليصبح ابن السابعة يتيما بلا أم. قصة طفل فقد اسمه و فقد أمه تختصر مأساة وطن.

لا زال محمد يسأل عن أمه كل صباح و ينظر في عيون أبيه بحثا عن إجابة لا يملكها.. باختصار قصة ساركوزي مأساة وطن .