الإيطاليون بين البلطجة والغباء السياسى

د..رمضان البحباح
د..رمضان البحباح

احترف الإيطاليون مهنة اﻻستعمار (اﻻستدمار) في آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أي أنهم حديثي التجربة مقارنة بأقرانهم اﻻوربيين وقد استهلوا هذه التجربة بإجرام المستعمر فعاثوا في ليبيا قتلا ودمارا متحججين بذرائع واهية تارة بان ليبيا تمثل الشاطيء الرابع لإيطاليا، وتارة بأنهم يريدون إعادة أمجاد روما، وبالنهاية حققوا ما أرادوه من هيمنة واستعمار استيطاني احلالي لليبيا وشعبها، ولكن ذلك لم يكن نزهة كما أرادها الإيطاليون، بل كانت بعد حروب طويلة استمرت عشرون عامًا لم يعرف فيها الإيطاليون أى معنى للاستقرار وروى كل شبر في الأرض الليبية بدماء الأباء والأجداد ، فلا تخلوا أى منطقة من مناطق ليبيا من نصب تذكاري خلد تلك المعارك المشرفة.

 

وسجل تاريخ الجهاد الليبي في انصع صفحاته أروع البطوﻻت وأعظم الأمجاد، ولم يتوقف المد التحرري لنضال الشعب الليبي حتى بعد هزيمة الطليان في الحرب العالمية الثانية، بل توج بطرد المستوطنين الطليان في 7 أكتوبر من سنة 1970 حينما طردوا شر طرده بالإرادة الثورية لثورة الفاتح من سبتمبر بقيادة الثائر معمر القذافي، الذي أصر أن علاقة الليبيين بالطليان هي علاقة ثأر ﻻ تنتهي إلا باعتذار أحفاد الفاشية عن جرائم أجدادهم، وتعويض الشعب الليبي عن تلك الجرائم، وعدم التفكير بأى عمل عدائي مستقبلي ضد ليبيا وشعبها، وإبرم ذلك في اتفاقية تاريخية وقعت في سنة 2008 أعيدت من خلالها كرامة وعزة الشعب الليبي، لكن هذا الأمر لم يستسيغه المستعمرين الجدد وﻻ أعوانهم من عملاء وخونة، فتناسوا كل العهود والمواثيق، وشنوا حربهم الغادرة على شعبنا في 2011 ضمن حلف شيطاني بغيض (الناتو) أرادوا من خلاله إعادة السيطرة على ليبيا تحججوا حينها بدعم ثورات سُميت زورا "بالربيع العربي"، واستمروا في إثارة الفتن واﻻنشقاقات بين المتصارعين على السلطة ليجدوا مبررًا واهيًا لتدخل مباشر بأساطيلهم الحربية أمام مرئى ومسمع العالم ومنظماته بالحد مما اسموه بالهجرة غير الشرعية.

 

وعلى الرغم من أن هجرة الجياع والفقراء من أماكن تفتقر للحياة إلى أماكن تزدهر بالحياة هو انتقال طبيعي ومشروع وفق كافة الديانات والأعراف، إﻻ أن هذه الظاهرة ﻻ تعطي أى مبرر لأى دولة بالتدخل في شؤون دولة أخرى تمثل ساحة عبور لهذه الهجرات، وكان على اﻻوربيين معالجة هذه الظاهرة من دول المنشأ لهذه الهجرة بتقديم الدعم والمساندة لحكوماتها، إن الهجرة غير الشرعية هي تلك الهجرة القسرية التي مارستها بريطانيا وفرنسا، عندما ارغمت أكثر من 80 مليون إفريقي، وساقتهم مثل الحيوانات إلى مستعمراتها في ما اسموه آنذاك بالعالم الجديد، تلك هي الجريمة التاريخية ضد الإنسانية التي لم تحاسب عليها الدول اﻻستعمارية حتى هذا اليوم.

 

على إيطاليا أن تدرك بأنها ستخسر علاقتها مع ليبيا وشعبها إلى الأبد، ولن تشفع لها أى معاهدة أو اتفاقية في المستقبل، لأن الشعب الليبي تكشفت أمامه حقيقة إيطاليا بعد تجربته الفاشلة في إبرام أى مواثيق معها، ولن تفرح كثيرًا بالوضع البائس الذي آلت إليه ليبيا، فالليبيون قادرون على تجاوز المحن هكذا تعلموا من الدروس المستفادة من التاريخ.

 

على إيطاليا والمستنجدين بها ننصحهم بترك الشعب الليبي، وعدم التدخل في شأنه الداخلي تحت أى مبرر، وعليها كذلك أن تحترم القانون الدولي، وأﻻ تصدر مشاكلها المزمنة إلى الغير، وأدعو الشعب الليبي بكل تبايناته واتجاهاته إلى اﻻصطفاف في مواجهة أعدائه، والمحافظة على وحدته الوطنية التي هي سر قوته، أما المتصارعين على السلطة على حساب الوطن فمصيرهم في مزبلة التاريخ.