«النظر بعين الشك»: إيطاليا تتحسس طريقها فى ليبيا مجددًا

عبدالباسط غبارة
عبدالباسط غبارة

 

ينظر الليبيون اليوم بعين الشك إلى التواجد العسكري الإيطالي في ليبيا، والنوايا الحقيقية التي تكمن وراءه، بالتزامن مع إعلان إيطاليا إرسال قوات بحرية إيطالية إلى عمق المياه الإقليمية الليبية بناء على طلب من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بغية دعم خفر السواحل الليبي، وتعزيز قدرة السلطات الليبية للعمل ضد مهربي البشر.

البداية كانت مع رد فعل الجيش الليبي الذي أكد على لسان الناطق الرسمي أحمد المسماري أن الرد على التدخل الإيطالي في سواحل ليبيا سيكون قويا وفقاً لوكالة الأنباء الليبية التابعة للحكومة المؤقتة. مشددا على أن القيادة العامة للجيش الوطني لن تقبل بتقسيم ليبيا، ولن تقبل بتواجد المشاريع الأجنبية فيها. وقال المسماري إن هذا التدخل استهتار، ويهدف إلى أحداث مشكلة تشويش على المبادرة الفرنسية التي رحب بها الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، منوّهاً إلى أن هناك بعض الأطراف المحلية والدولية التي تريد إفشال هذه المبادرة.

من جانبها، أعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، في بيان أصدرته السبت الماضي، عن قلقها البالغ إزاء التقارير الإعلامية بشأن إطلاق عملية عسكرية إيطالية داخل المياه الإقليمية الليبية من خلال بعثة دعم عسكري إيطالية لخفر السواحل الليبي بحجة استهداف مهربي وتجار البشر علي السواحل الليبية. وأبدت اللجنة رفضها الكامل للتحركات والسياسات الأحادية الجانب من قبل دولة إيطاليا فيما يتعلق بتجاوزاتهم لمعالجة ملف الهجرة غير القانونية خارج إطار الشرعية الدولية والقانون الدولي والتي تمثل انتهاكاً صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ولسيادة واستقلال ليبيا.

ورغم نفي حكومة الوفاق، في بيانات لرئيسها، فايز السراج، ووزير خارجيتها محمد سيالة، عدم طلب وجود عسكري إيطالي بالمياه الإقليمية الليبية، إلا أن صحفاً إيطالية، من بينها "كوريري دي لاسيرا"، تحدثت عن وجود خطة إيطالية تقضي بنشر سفينتين حربيتين وسبعمائة جندي وخمس طائرات للمراقبة قبالة ليبيا.

وعلى الرغم من تطمينات أرسلها رئيس الوزراء الإيطالي، باولو جنتليوني، الذي أكد أن قوات بلاده لن تسعى للوجود على الأراضي الليبية، إلا أنه لم ينف تلك التقارير الصحافية التي تفيد بنشر سفينتين وجنود وطائرات.وهو ما أثار ردود أفعال غاضبة من قبل عدد من الليبيين، كما أثار شكوكا وتنديدا من أطراف خارجية.

وفي هذا السياق، وجهت منظمة العفو الدولية، الاثنين 31 يوليو 2017، انتقادات حادة إلى المهمة المحتملة للبحرية الإيطالية لدعم خفر السواحل الليبية في مكافحة المهربين. وقال المدير التنفيذي للمنظمة في أوروبا جون دالهوسين، وفقا لبيان "إنه بدلا من إرسال سفن لإنقاذ حياة الناس وحماية المهاجرين واللاجئين اليائسين، فإن إيطاليا تستعد لإرسال سفن حربية لصد هؤلاء".

فيما ذهب الصحافي الأمريكي المختص بالشأن الليبي، جيمس ويلر،إلى أبعد من ذلك متهما إيطاليا، بالتجسس على ليبيا بحجة مكافحة الهجرة، موضحًا أن روما تستخدم طائرات تجسس في ليبيا "بشكل يتجاوز عمليات مكافحة الهجرة". وقال ويلر، على صفحته بموقع "تويتر"، إن "طائرة تجسس إيطالية حلقت الأحد الماضي فوق سفينة حربية إيرلندية كانت في عرض البحر مقابل مدينة الخمس".

 وأشار إلى أن "طائرة التجسس الإيطالية حلقت أيضًا فوق مصراته في ذات اليوم، رغم أنها ليست منطقة انطلاق لقوارب الهجرة التي تستهدف الوصول إلى أوروبا، وذهبت أبعد الى الغرب. مضيفا أن "على ما يبدو فإن لعملية التجسس هذه التي بدأتها إيطاليا أهداف أخرى غير تلك المعلنة في العملية التي تستهدف وقف قوارب المهاجرين". وأرفق ويلر مع تغريدته خرائط توضيحية لمسار طائرة التجسس الإيطالية وموقع السفينة الإيرلندية.

وليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها عزم ايطاليا على التدخل في ليبيا جدلا وإسعا في فبراير 2015، قوبل إعلان وزيرة الدفاع الإيطالية روبيرتا بينوتي عن احتمال إرسال بلادها قوات برية إلى ليبيا برفض وتحذيرات ليبية واسعة من أي تدخل أجنبي في البلاد.

وفي يناير 2016، أعلنت السلطات الأمنية الايطالية أن قرار التدخل عسكريا في ليبيا لا يمكن أن ينتظر حلول فصل الربيع المقبل، حيث صرحت وزيرة الدفاع الإيطالي روبيرتا بينوتي في حوار للتلفزيون الإيطالي الرسمي،  بأن إيطاليا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا يدرسون خيار التدخل العسكري في ليبيا للعمل على استقرار الأوضاع بها. وردت ليبيا آنذاك علي إعلان إيطاليا برفض وتحذيرات ليبية واسعة من أي تدخل أجنبي في البلاد.

وفي أبريل 2016،تداولت وسائل الإعلام العالمية خبراً يفيد بتعرض دورية مشتركة من القوات الخاصة البريطانية والإيطالية لهجوم نيراني من "داعش" أثناء تحرك القوات من مصراتة إلى سرت، وعلى الرغم من سقوط قتلى وجرحى في الهجوم فإن الأمر ظل في طي الكتمان. وفي سبتمبر 2016، أرسلت إيطاليا مجموعة من العسكريين قالت إنهم سيتولون حماية الكادر الطبي والشبه الطبي الذي سيعمل في المستشفى الميداني بمصراتة لعلاج جرحى عملية البنيان المرصوص.

وتمثل سواحل ليبيا منصة انطلاق رئيسية لقوارب الهجرة نحو السواحل الإيطالية والأوروبية.وعادة ما تنطلق قوارب المهاجرين من منطقة تبعد حوالي 400 كم إلى الغرب من مصراته، باعتبارها الأقرب إلى إيطاليا.وتوجد بعثة عسكرية إيطالية في مصراتة إضافة إلى مستشفى عسكري.ويعمق الانقسام السياسي وتناحر المليشيات المسلحة حالة الفوضى في هذا البلد ما يجعله مرتعا لعصابات تهريب البشر.

 وفي ظل تواجد العديد من القوى الدولية في الساحة الليبية،تسعى إيطاليا إلى تحسس طريقها داخل ليبيا وعدم تهميش دورها في العملية السياسية فيها، وإلى الحفاظ على مصالحها النفطية، وضمان إدارة عملية مكافحة تهريب اللاجئين. وبدا دور إيطاليا من خلال التزامها العلني المباشر بدعم المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني.