تقرير| ناصر والقذافى.. زعماء ثورات التحرير وافساح الطريق للقومية العربية

صورة نادرة تجمع الزعيمين جمال عبدالناصر ومعمر القذافي
صورة نادرة تجمع الزعيمين جمال عبدالناصر ومعمر القذافي
الموقف الليبي ووكالات

يصادف اليوم الأحد الثالث والعشرون من شهر ناصر "يوليو" الذكرى الخامسة والستين لثورة الثالث والعشرين من يوليو في مصر التي تمثل هي وثورة الفاتح العظيم النموذج الثالث الذي أثر تأثيراً عميقاً في حياة إفريقيا السياسية والإقتصادية.

 

الموقف الليبي تستعرض أهم كواليس التاريخ أثناء قيام ثورة 23 يوليو 1952، كذلك كيف أسهمت فى اندلاع شرارة ثورة الفاتح علي يد القائد معمر القذافي، وتوالي الثورات العربية للتخلص من الاحتلال آنذاك..

 

فقد كانت مصر الدولة الإفريقية الكبرى محتلة إحتلالا عسكريا من الجيش البريطاني، ومحكومة من عائلة "محمد علي" الأجنبية المستوردة من الخارج، فقام الزعيم الخالد "جمال عبد الناصر" بواسطة الجيش بالثورة في 23 يوليو "ناصر" عام 1952 م، لأن كان لابد للجيش من تحرير مصر من الاستعمار، ومن العائلة الملكية الدخيلة، باعتبار أن تحرير البلاد من أجانب محتلين لها هي مهمة العسكريين.

وبذلك أصبح يوم الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 هو يوم إستقلال مصر، وكرست تلك الثورة جهودها بقيادة "عبد الناصر" لنصرة القضايا العربية والإفريقية، ودعم حركات التحرر الوطني، وكان "عبد الناصر" بطلا من أبطال الوحدة الإفريقية مع "نيكروما، ولومومبا، وسيكوتوري، وموديبو كيتا" التي تعززت بالاتحاد الإفريقي الذي أُعلن عن تأسيسه بمدينة سرت في 9/9/99 لتبدأ إفريقيا مسيرة دخول خارطة العالم الجديد القائم على الفضاءات الكبرى بفعل جهود قائد ثورة الفاتح العظيم القائد "معمر القذافي" الذي يواصل مسيرة الوحدة الإفريقية وصولا إلى قيام الولايات المتحدة الإفريقية الهدف النهائي للإتحاد والحلم التاريخي لأولئك المؤسسين. وعملت ثورة 23 يوليو بقيادة الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر" على مد جسور التواصل بين الوطن العربي والبلدان الإفريقية.

وقد عززت ثورة الفاتح العظيم هذا التواصل وأبرزت روابطه التاريخية الضاربة في الاعماق التي تؤكد ارتباط حاضر ومستقبل العرب والأفارقة، وهو ما يتجلى في دعوة الأخ القائد إلى اقامة الفضاء العربي الإفريقي المؤهل لتجسيد طموحات العرب والأفارقة وجعلهم قوة يحسب لها ألف حساب في هذا العصر الذي إنتهى فيه دور الدول الوطنية والقومية، ولم يعد به مكان في خارطة العالم الجديد إلا للفضاءات الكبرى العملاقة.

 

القذافي: 23 يوليو هى الثورة الأم

وكان الأخ القائد قد أكد أن ثورة (23) يوليو هي الثورة الأم الحقيقية، لأنها ليست ثورة إقليمية وليست لمصر فقط، بل كانت ثورة قومية وثورة عالمية، وأن "عبد الناصر" الذي قاد هذه الثورة يعتبر بالنسبة لنا هو قائد الثورة الأم، وقال في كلمته بالحفل الذي أقامه في القاهرة مواليد الفاتح العظيم من أبناء الشعب المصري الشقيق بمناسبة ميلاد رابطتهم بجمهورية مصر العربية في الثالث من شهر يوليو 2008: (إن قيام ثورة ذات أيديولوجية عالمية في هذه المنطقة، وحتى إن لم تكن تأثيراتها واضحة الآن أعتقد أن العالم في يوم ما سيدين بأيديولوجية هذه الثورة.

وعندما نتكلم عن ثورة الفاتح التاريخية، لا نتكلم عن ليبيا فقط بل ينبغي أن نتكلم عن مصر أولا لأن الثورة الأم الحقيقية هي التي قامت يوم 23 يوليو، ولأن ثورة 23 يوليو ليست ثورة إقليمية، وليست لمصر فقط ، فهي كانت ثورة قومية وثورة عالمية.

وبالتالي نحن اعتبرناها هي الثورة الأم، وعبد الناصر الذي قاد هذه الثورة يعتبر بالنسبة لنا هو قائد الثورة الأم، وهو المثل الأعلى، وقد تتلمذنا نحن الذين قدنا ثورة الفاتح على مدرسة "عبد الناصر" القومية والتحررية والتقدمية، وأثرت هذه الثورة وخلقت وجوداً عربياً كانت معالمه غير واضحة).

وأكد الأخ القائد أن قصيري النظر يعتقدون أن النكسة التي حدثت بعد ذلك هي نهاية التاريخ، لكن التاريخ ليست له نهاية، وقال موضحا (تعرفون أن هناك كاتبا من أصل ياباني أمريكي هو "فوكوياما" عمل كتاباً سماه "نهاية التاريخ" وأحدث ضجة في العالم، ثم بعد ذلك هو نفسه صحّح هذا الكلام، وقال "أنا كنت مخطئاً..

إن التاريخ ليس له نهاية، وإن الليبرالية الغربية ليست هي نهاية التاريخ.. التاريخ يتجدد بشكل من الأشكال". فالنكسة بالنسبة لقصيري النظر ربما يعتبرونها نهاية التاريخ.. يعني نهاية تاريخ القومية.. نهاية تاريخ التحرر.. نهاية تاريخ حتى الاشتراكية.. نهاية العدالة الاجتماعية، وقد إعتقدوا أن ستسود القيم الأخرى الخبيثة "الإستغلال، الإقطاع، عدم المساواة، الديكتاتورية، تهميش الجماهير، الإستهتار بالمواطن". كانوا يعتقدون أن القوى المعادية لها الغلبة وهي التي ستسود، وأن الصهيونية لا نستطيع مقاومتها، وأن الإمبريالية لا نستطيع مقاومتها… إلى آخره. هذه كلها بينات المهزومين.

 

راية التحرر تصل ليبيا

ولكن لابد أن تثقوا أن ثورة الفاتح التي استلمت راية التحرر وراية التوحيد وراية التحدي، هي ثورتكم أنتم.. هي ثورة الشباب، نحن عندما بدأنا ننظم ثورة الفاتح ونبني خلاياها السرية لم نكن في الجيش، كنا طلبة في المدارس الإعدادية والثانوية، يعني قاعدة الحركة الثورية تأسست على هذا المستوى، بعد ذلك نحن إخترقنا الجيش وإستخدمناه كما هو معروف.

إذن هي ثورة الطلاب، وثورة الشباب مثلكم أنتم.. يعني هي ثورتكم، وهي إمتداد للحدث التاريخي الذي وقع في مصر، وبالتالي لا نفرق بين ثورة الفاتح وثورة 23 يوليو، ولا نفرق بين القوة الثورية هنا أو هناك. وسبق أن مر العالم بمراحل هكذا عندما كان عصر الثورات وما إليه، ثم إنتكست الثورة وسادت القوى المضادة للثورة، وإعتقدوا أن عهد الثورة إنتهى. وهذا فهم غير صحيح للتاريخ لأن هناك إشتراطات عندما تتوفر يتجدد الحدث.

وبعد ذلك عاش العالم عصوراً أخرى من الثورات، وهناك من كان يعتقد أنها لن تحصل، مثل الذين يقولون إن الإشتراكية ماتت أو الشيوعية ماتت مثلا.. نحن لا نعرف الشيوعية هذه، فالشيوعية لم تولد حتى نقول ما هو شكلها وإنها ماتت أو لم تمت، بل حتى الإشتراكية لم تقم حتى نقول إنها ماتت. العمليات التي حصلت هي عمليات إجهاض لمحاولات تاريخية.

فالذي يجب أن نعيش به هو الأمل، وإذا سادت هذه الثقافة الإنهزامية معناها أنكم ليس لديكم أمل ولا أولادكم ولا أحفادكم، ولن تكون لديكم رغبة حتى أن تتزوجوا وتخلّفوا أطفالاً، إذا كانت الأمور بهذا الشكل.. إذا كانت ذلا وغلاء معيشة وتمزقا وخضوعا، وسيطرت الصهيونية وسيطرت الإمبريالية وسيطرت كل المفاهيم السيئة، تصبح الحياة ليس لها معنى، وتصابون بيأس وإحباط ، وهذا يجب أن لا يكون.).

 

ثورات التحرر الكبرى بالوطن العربي

تحركت الدبابات وحاصرت مؤسسات الدولة، وانتصرت الثورة التي قام بها الضباط الأحرار في ليلة 23 يوليو 1952 دون خسائر بشرية، ليساندها الشعب المصري، وتكون شرارة تلهم باقي الشعوب العربية، وتحثهم على التحرك ورفض الظلم والاستبداد والثورة على الاستعمار، فنار الثورة التي اندلعت في مصر طالت عددا من الدول العربية كالجزائر واليمن وليبيا.

في 1 نوفمبر عام 1954 كانت شرارة الثورة المصرية التي قام بها الضباط الأحرار قد وصلت إلى الجزائر بعد عامين من اندلاعها، لتستمر ثورة المليون شهيد لمدة 7 سنوات ضد المستعمر الفرنسي، بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، حتى سقط الاستعمار في 5 يوليو 1962.

 كان دعم مصر للثورة الجزائرية منذ الخمسينات والستينات واضحًا للجميع، ما دفع كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا وقتئذ إلى التأكيد أن التمرد في الجزائر لا تحركه سوى المساعدات المصرية، فإذا توقفت هذه المساعدات فإن الأمور كلها سوف تهدأ، لوجود مليون مستوطن فرنسي في الجزائر، ولأن فرنسا اعتبرت الجزائر جزءًا لا يتجزأ منها، بحسب ما جاء في كتاب "حرب الثلاثين عاما" للكاتب محمد حسنين هيكل، وهو ما ترتب عليه اشتراك فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر. دعم مصر لثورة الجزائر دفع بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل إلى قول: "على أصدقائنا المخلصين في باريس أن يقدّروا أن عبد الناصر الذي يهددنا في النقب، وفي عمق إسرائيل، هو نفسه العدو الذي يواجههم في الجزائر"، وبحسب هيكل فإن الثورة الجزائرية تلقت أكبر شحنة من السلاح المصري أثناء القتال على الجبهة المصرية وقت العدوان الثلاثي الذي تعرضت له مصر.

اليمن هي الأخرى استلهمت ثورتها التي قام بها ضباط الجيش مما حدث في 23 يوليو في مصر، ففي 26 سبتمبر عام 1962، كانت الخطة التي وضعها المشير عبدالله السلال مع عدد من ضباط الجيش اليمني جاهزة للتنفيذ، للانقلاب على الإمام محمد البدر حميد الدين، وإعلان قيام الجمهورية اليمنية، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، حيث كانت هذه الحركة التي عرفت بحرب اليمن أو ثورة 16 سبتمبر سببًا في دخول اليمن في صراع استمر حتى ثماني سنوات بين دعم السعودية للإمام، ودعم مصر بقيادة عبدالناصر للثورة من جهة أخرى.

كان الضباط في اليمن يسعون إلى تكرار تجربة ثورة 23 يوليو في مصر، ضد حكم الإمام محمد البدر الذي يحكم البلاد بقبضة من حديد واستشرى الفساد في نظام حكمه، حيث رفع الضباط اليمنيون نفس الشعارات التي رفعها الجيش المصري أثناء ثورة 23 يوليو، منها ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻭﻣﺨﻠﻔﺎﺗﻬﺎ ﻭﺇﻗﺎﻣﺔ ﺣﻜﻢ ﺟﻤﻬﻮﺭﻱ ﻋﺎﺩﻝ ﻭﺇﺯﺍﻟﺔ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﻭﺍﻻﻣﺘﻴﺎﺯﺍﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ، وﺑﻨﺎﺀ ﺟﻴﺶ ﻭﻃﻨﻲ ﻗﻮﻱ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺣﺮﺍﺳﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻭﻣﻜﺎﺳﺒﻬﺎ، وﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ.

 

ثورة الفاتح

"ثورة الفاتح" في ليبيا هي الأخرى استمدت روحها من ثورة 23 يوليو، ففي 1 سبتمبر عام 1969، تحرك الملازم معمر القذافي ومعه ما عرفوا بالضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي، تجاه مدينة بنغازي لتحرير مبنى الإذاعة و محاصرة القصر الملكي، ومن ثم سارع ولي العهد وممثل الملك بالتنازل عن الحكم، حيث كان الملك محمد إدريس السنوسي خارج البلاد في رحلة لتلقي العلاج في تركيا.

كان جمال عبدالناصر ورجاله يراقبون الوضع وتطوارته في ليبيا باهتمام، وكانوا على اتصال مع قيادة الثورة الليبية ومعمر القذافي، الذي قبل اقتراح جمال عبد الناصر، بخصوص إقامة الملك السابق إدريس السنوسي في القاهرة، حتى لا يصبح عرضة للتأثير الأمريكي في أثينا، وركَّز مجلس قيادة الثورة كلَّ السلطات بيده، ووزَّعت داخله الاختصاصات بمساعدة مصرية.

 

قاعدة محمد نجيب

يُذكر أن الرئيس عبد الفتاح السيسى أعاد تكريم قادة ثورة يوليو بإطلاق اسم الزعيم الراحل محمد نجيب على القاعدة العسكرية، التى تعد أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط فى حفل تخرج الكليات العسكرية وبحضور قادة وزعماء عرب فى الثاني والعشرين من يوليو 2017، كما اطلق اسم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر على حاملة الطائرات "ميسترال" من قبل.

 

 

  • ثورة 23 يوليو
  • جمال عبدالناصر
  • ثورة الفاتح
  • معمر القذافي